هشام جعيط
291
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
السواد وما وراءه من البلاد الإيرانية إلى المدن المستهلكة في بلاد العرب ، وهي مدن مثقلة بالمال . ولم يكن لبلاد العرب ما تبيعه إلا ما قلّ ، باستثناء جمالها خاصة . مما جعل للجمل دورا مزدوجا كما ازدوج دور الكناسة : كان دابة للحمل ودابة للتوريد ، وكانت الكناسة سوقا للقوافل وسوقا للجمال . ولا ينبغي تصور الكناسة كتنويعة من الأسواق المركزية ، بل كسوق دائمة ومرفأ ونقطة المنتهى . كانت الكناسة سوقا كلها تلونات ، وكانت مكانا يلتقي فيه عالمان يسودهما الطابع العربي . وهي أفرزت سوقا داخلية استهلاكية حيث يباع الصحناة ، وهو طعام من السمك ، كما ذكر في ملامة عنيفة وجهها شبث بن ربعي إلى أحد موالي المختار « 1 » . ولذا ، صارت بصورة طبيعية ، مكانا مرموقا للشعر البدوي ، مثلها مثل المربد في البصرة ، لكن بدرجة أقل « 2 » . وإنها لصورة مؤثرة لم تكن لتتكرر كل يوم تلك التي تظهر لنا أحد الشعراء واقفا على ناقته ينشد إحدى قصائده التي تثير حساسية طفل . وهذا المنظر يوحي لنا بقوة المناخ الثقافي وعمق الحيوية الاجتماعية بالكناسة « 3 » . لا فائدة من العودة إلى الدور السياسي العسكري الذي كان للكناسة . ولعله كان أهم من دور الجبّانات الكبرى ، لأن الكناسة كانت نقطة تجمع لتميم وحلفائها من ضبة وعبس ثم لكونها ملكا للمدينة كلها . كانت مكانا عموميا مزدوجا بالنسبة للمجتمع المدني كما للسلطة التي لم تمتنع عن جمع جنودها فيها ( ابن مطيع مثلا ) « 4 » ، وعرض المصلوبين . وخلافا لما جاء بخبر قليل الوثوق « 5 » ، فإن هانىء بن عروة لم « يصلب » بالكناسة ، بل قتل في ساحة السوق التي لم تكن قد بنيت في ذلك العصر « 6 » . لكن لا يبقى أي شك في عرض جثة زيد بالكناسة على جذع نخلة ، وقد نصبت عليها الحراسة ليل نهار من قبل جنود الوالي « 7 » . فظاهرة الصلب بالكناسة ظاهرة متأخرة إذن وتبدو منعزلة في المصادر فلا تمكننا من نعت الكناسة بأنها « مكان للشنق » ، كما قال ماسينيون « 8 » .
--> ( 1 ) الطبري ، ج 6 ، ص 25 . ( 2 ) الأفغاني ، أسواق العرب ، ص 407 . ( 3 ) الأغاني ، ج 14 ، ص 30 . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 29 . ( 5 ) الطبري ، ج 5 ، ص 350 ، في حين أن أبا مخنف قال إنها السوق . ( 6 ) انظر ما سبق . ( 7 ) الطبري ، ج 7 ، ص 180 - 190 . وكانت ترمى بالكناسة جثث المسجونين إذا ماتوا : ابن سعد ، طبقات ، ج 6 ، ص 285 . ( 8 ) Op . cit . , p . 53 .